سهيلة عبد الباعث الترجمان

763

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لكونهم لم يشمّوا من تلك رائحة ولا برقت لهم من بروقها لائحة ، وهي توحيد الخواص وأهل الاختصاص الذين خصهم اللّه بعنايته " « 1 » . وكذلك تسميته بالوجود المطلق لدى الجيلي تختلف عما يقوم عليه معنى الوحدة المطلقة في مفهوم ابن خلدون إذ يرمي الجيلي إلى الوحدة الكاملة للذات الإلهية ولم يرم إلى وحدة الموجودات فيما بينها بصورة مطلقة بل بوحدة الموجد فقط وذلك بنفي كل النسب والإضافات والاعتبارات ، فليس هناك إلا وحدة الذات الإلهية وهي الهدف الأسمى لمذهبه ونظريته . كما أننا نلاحظ مدى تأثر الجيلي بابن عربي واتفاقه معه فقد استعار بعض المصطلحات الصوفية من ابن عربي عند معالجته لمشكلة الوجود فبدا بذلك أقرب إلى الأخذ بالمنهج العلمي منه ، كما حدد طبيعة الذات وعلاقتها بالأسماء والصفات ، وأدرك أن الحقيقة جوهر يحوي جميع المتناقضات ، وهو في كل ذلك ينحو منحى ابن عربي الصوفي ، وقد انتهى الجيلي إلى نفس ما انتهى إليه ابن عربي تماما ، من أن الوحدة المنشودة لديهما هي وحدة شهود وليست وحدة وجود بالمعنى المادي أو الفلسفي . وهذا ينفي ما لحق بمذهبهما من شك وارتياب ، وما أدينا به من تكفير وزندقة وإلحاد ، فمرادهما هو شهود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود ، والاتحاد به من حيث كل شيء موجود به معدوما بنفسه ، لا من حيث أن له وجودا خاصا اتحد به فإنه محال في حقه ، وقد عبر الجيلي أصدق تعبير عن مذهبه هذا مما يدحض به أقوال المتجنّين عليه موضحا حقيقة مذهبه في وحدة الشهود فيقول : " وما ثمّ إلا وجود واحد ، والأشياء موجدة به معدومة بنفسها ، فكيف يتحد من هو موجود به معدوم بنفسه ، ولو تسمع أهل الاتحاد من أهل اللّه أو تجده في مصنفاتهم فلا تفهم منه ما فهمت من الاتحاد الذي قلناه في أنه يحصل من الموجودين ، إذ ليس مرادهم بالاتحاد ذلك ، بل مرادهم شهود الوجود الحق ، الواحد المطلق ، الذي الكل به موجود بالحق ، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودا به ، معدوما بنفسه لا من حيث أن له وجودا خاصا اتحد به فإنه محال ، ولهذا الوجود الواحد ظهور وهو العالم ، وبطون وهو

--> ( 1 ) الجزائري ( أحمد بن السيد محي الدين بن السيد مصطفى الحسيني ) ، نثر الدر وبسطه في بيان كون العلم نقطة ، المطبعة الأهلية ، بيروت ، 1324 ه ، ص 18 .